أقامت الولايات المتحدة دعوى قضائية ضد شركة أبل متهمة إياها باحتكار سوق الهواتف الذكية وتقويض المنافسة، في وقت تُضيّق فيه الحكومة الخناق على شركات التكنولوجيا العملاقة.
وتنضم أبل بذلك إلى قائمة شركات تكنولوجيا أخرى، كانت قد قاضتها جهات تنظيمية أميركية خلال حكم إدارتي الرئيس السابق دونالد ترمب، والرئيس الحالي جو بايدن، مثل شركة جوجل المملوكة لـ”ألفابت”، وشركة “ميتا”، وشركة “أمازون”.
وقال وزير العدل الأميركي ميريك جارلاند في بيان “ينبغي للمستهلكين ألا يدفعوا أثماناً أعلى بسبب انتهاك الشركات قوانين مكافحة الاحتكار”، مضيفاً: “إذا تُركت بلا حساب، فستواصل أبل تعزيز احتكارها للهواتف الذكية”.
وذكرت وزارة العدل الأميركية، أن ثمن هواتف “آيفون” من أبل هو 1599 دولاراً، وأنها تجني أرباحاً أكبر من أي شركة أخرى في قطاع تصنيع الهواتف.
وقال مسؤولون أيضاً، إن أبل تفرض رسوماً على عدة شركاء عمل، بدءاً من مطوري البرمجيات إلى شركات البطاقات الائتمانية بل ومنافسيها مثل جوجل، خلف الكواليس بطرق تؤدي في نهاية المطاف إلى رفع الأسعار على المستهلكين وزيادة أرباح الشركة الأميركية.
نموذج عمل أبل
وقديماً عندما كانت أبل لاعباً هامشياً في سوق الكمبيوتر الشخصي، لطالما استند نموذج العمل الخاص بها على تكليف المستخدمين ثمناً أعلى مقابل المنتجات التكنولوجية التي تملي فيها الشركة تقريباً جميع تفاصيل عمل هذه المنتجات وكيفية استخدامها.
وتسعى وزارة العدل الأميركية إلى إلغاء نموذج العمل ذلك بإجبار أبل التي تبلغ قيمتها السوقية 2.7 تريليون دولار، على تقديم مزيد من الخيارات للمستخدمين فيما يتعلق بكيفية الاستفادة في التطبيقات من الأجهزة التي تصممها الشركة.
فيما رفضت أبل الاتهامات التي وجهتها الحكومة الأميركية إليها.
أبرز تفاصيل الدعوى القضائية
وورد في الدعوى القضائية التي تقع في 88 صفحة، والمقدمة إلى محكمة اتحادية في نيوارك بولاية نيوجيرزي، وشاركت فيها 16 ولاية أميركية، أنها تركز على “تحرير أسواق الهواتف الذكية من سلوك أبل المناهض للمنافسة ويتسم بإقصاء (الآخرين) وعلى إعادة المنافسة لخفض أسعار الهواتف الذكية على المستهلكين، وتقليل الرسوم المفروضة على المطورين، والحفاظ على الابتكار في المستقبل”.
ومن بين الأدوات الرئيسية التي استندت إليها الدعوى لإثبات الاتهامات الموجهة لأبل، مجموعة من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية بين مدراء الشركة الأميركية، ومن بينهم مؤسسها الراحل ستيف جوبز، وتصريحات لمديرها التنفيذي الحالي تيم كوك خلال أحد المؤتمرات الصحافية.
وأشارت الدعوى القضائية إلى أن أبل لا تسمح للمستخدمين بتثبيت التطبيقات من خارج متجرها الرسمي App Store، لافتة إلى أن هذا الاتجاه تسبب في وضْع مطوري التطبيقات تحت سيطرة الشركة.
ونوّهت إلى أنه في حال رغب مطورو التطبيقات في دخول عالم “آيفون” فعليهم قبول “قواعد أبل الصارمة”، وذلك بداية من حصول الشركة على 30% من أرباح المطورين، سواء من خلال شراء التطبيقات المدفوعة، أو أي عمليات شراء تتم عبرها.

وأوضحت الدعوى أن أبل تتحكم في دخول أي تطبيقات إلى متجرها، إذ تراجع أي تحديثات أو مزايا يقدمها المطورون، لافتة إلى أنه في بعض الأحيان تؤخر الشركة أو تتعنت في وصول بعض التطبيقات، وذلك بما يتوافق ويخدم مصالحها.
وتحدَّثت الدعوى عن أن أبل، تقيّد قدرة المطورين على تقديم مزايا مبتكرة داخل تطبيقاتهم من خلال تحديد الواجهات البرمجية المتاحة لهم، والتي تقدم نطاقاً محدوداً من المزايا التي يمكن استخدامها على هواتف “آيفون”، في حين أن الشركة الأميريكة تحتفظ بكم كبير من المعلومات والمزايا التي تختص بها تطبيقاتها.
حظر التطبيقات الشاملة
وانتقدت الدعوى، تقييد أبل للمطورين فيما يتعلق بالتطبيقات الشاملة Super Apps على هواتف “آيفون” والتي تقدم خدمات متعددة على منصة واحدة، ما يوفر على المستخدم عناء تثبيت أكثر من تطبيق، وفي الوقت نفسه تزيد من إنتاجيته.
واستشهدت الدعوى بعرض تفاعلي استُخدم خلال اجتماع لمديري أبل، جاء فيه أن “تقديم تجربة جيدة على تطبيق شامل سيكون بمثابة عائق كبير أمام نمو مبيعات هواتف “آيفون”، لأنه “سيسهل على المستخدمين اتخاذ قرارات باستبدال هواتفهم بأنواع أخرى”.
وضربت أبل مثالاً بالشهرة الواسعة للتطبيقات الشاملة في القارة الآسيوية، ومن بينها تطبيق WeChat الصيني.

وبيّنت الدعوى أن عملاق التكنولوجيا الأميركي لجأ إلى حجب التطبيقات التي تتضمن تطبيقات مصغرة، بدلاً من الاستثمار بشكل أفضل في تطوير مزايا وخدمات تنافس التطبيقات الشاملة، ما صرف اهتمام الشركات المطورة عن هذا النوع، وبالتالي حرمان مستخدمي آيفون” منها.
وتضمنت الدعوى كذلك، رسالة بريد إلكتروني من أحد مديري أبل ورد فيها “أرى أننا نقوم بعمل أكثر من جيد فيما يتعلق بالمزايا الجديدة على هواتفنا. ولكن في الوقت نفسه يصعب التراجع عن التزامنا بتقديم مزايا جديدة كل عام. ولكن المزايا الحالية إن لم نقدمها في وقت سابق، وقدمناها الآن، سيشعر المستخدم بأنها جديدة”.
وكان ذلك في إشارة إلى أن إحكام أبل سيطرتها على ما تقدمه تطبيقات “الطرف الثالث” Third-party Apps لمستخدمي “آيفون”، يسمح بتحكم الشركة في طبيعة المزايا المقدمة لمستخدمي هواتفها.
تجربة محدودة للألعاب
وتباهت أبل بأن سلسلة هواتفها الجديدة “آيفون 15″، التي أطلقتها في سبتمبر الماضي، تُقدم تجربة ألعاب فريدة من نوعها، نظراً لاعتمادها على مكونات متطورة من “معالج قوي، وذاكرة عشوائية كبيرة، وغيرهما”.
لكن الدعوى القضائية، رأت أن الشركة الأميركية نجحت في ذلك بفضل حرمان مطوري تطبيقات منصات الألعاب السحابية من دخول متجرها الرسمي.
ولفتت إلى أن منصات الألعاب السحابية تُقدم لمستخدمي الهواتف الذكية إمكانات قوية للاستمتاع بألعاب فيديو ذات رسومات ومزايا متطورة، دون الحاجة إلى أن تكون مواصفات هواتفهم رائدة، ما يتيح تجربة لعب ممتعة، ودون تحمُّل تكلفة شراء هواتف بآلاف الدولارات لتشغيل الألعاب الرائدة، المعروفة باسم AAA.

كما اتهمت جهات الادعاء، أبل، بأن تحركاتها لحظر منصات الألعاب السحابية، مثل مايكروسوفت Xbox Cloud Gaming، تسببت في انفراد مطورة “آيفون” بتحقيق مكاسب حصرية من سوق الألعاب على هواتفها، إذ إنها تستخدم تشغيل الألعاب الرائدة كميزة حصرية لإصدارات هواتفها مثل “آيفون 15 برو”، و”آيفون 15 برو ماكس”، والتي تصل أسعارها إلى 1700 دولار.
وظهرت نية أبل بشأن تعمُّد حظرها لمنصات الألعاب السحابية بشكل صريح في إحدى الرسائل الإلكترونية الداخلية، الواردة في نص الدعوى، والتي يقول فيها أحد المدراء التنفيذيين: “تخيل أن تشتري هاتف أندرويد بـ25 دولاراً من أي متجر يُقدم بعض التخفيضات وهو يعمل بشكل جيد.. ولكنه مدعوم بمنصة سحابية قوية”.
وتناولت الدعوى أيضاً صعوبة دخول متاجر الألعاب داخل App Store، مثل متجر “إبيك جيمز” Epic Games، إذ أن أبل، لا تسمح لمطوري تلك المتاجر بمعاملة تطبيقاتها على أنها شيء واحد، بل تتعامل مع كل لعبة على أنها تطبيق منفصل، وبالتالي سيحتاج المطور إلى إطلاق تحديثاته كل على حده، كما تتطلب موافقة مستقلة من “أبل”، ما يُعقّد تجربة المطورين والمستخدمين.
معضلة الفقاعة الخضراء
وترى وزارة العدل الأميركية أن الشركة الاميركية العملاقة، استخدمت على مدار سنوات طويلة استراتيجيات معقدة لجعل تجربة التراسل الفوري بين مستخدمي “آيفون” والهواتف الأخرى أسوأ، وذلك من خلال حصْر خدمة iMessage على أجهزتها فقط.
وذكرت الدعوى أن أبل، تعمدت عدم فتح الواجهة البرمجية الخاصة بخدمة التراسل النصي SMS أمام التطبيقات الأخرى مثل “واتساب”، إذ يحتاج مستخدم “آيفون” فتح تطبيق التراسل المفضل لديه والبحث عمن يرغب في مراسلته. وفيما يتعلق بالتراسل بين مستخدمي “آيفون” فيمكنهم التواصل عبر SMS أو iMessage.

وبحسب الدعوى القضائية، تتعمد أبل تمييز المحادثات بين مستخدمي “أندرويد” و”آيفون” إذ تظهر رسائل الأولى في بالونات باللون الأخضر، فيما تظهر رسائل مستخدمي هواتف الشركة الأميركية في بالونات باللون الأزرق، وتعتمد في ذلك على بروتوكول خاص برسائل SMS.
جدير بالذكر أن أبل تعهدت في وقت سابق ببدء استخدام بروتوكول RCS بنهاية العام الجاري، لكنها أشارت إلى احتمالية ألا يغيّر ذلك من ألوان بالونات الرسائل.


