ووفق تلك المنهجية، اعتمد الباحثون في تطوير وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على جمع أكبر قدر ممكن من البيانات عالية الجودة التي ينتجها البشر، ومن ثم تدريب النماذج باستخدام حوسبة عالية الأداء، وذلك بهدف تقريب الذكاء الاصطناعي من الفهم البشري للعالم.
ومع أن جوجل كانت صاحبة الريادة في هذا النهج، إلا أن كثير من الباحثين الذين طوروا هذا المفهوم غادروا الشركة لاحقاً، فبعضهم انضم إلى OpenAI وساهم في تطوير ChatGPT، الذي يُعد أنجح منتج ذكاء اصطناعي توليدي حتى الآن، فيما أسس آخرون شركة أنثروبيك وتدير الآن منصة الذكاء الاصطناعي “كلاودي”.
ويلفت الباحثان النظر إلى معضلة متنامية في هذا السياق، وهي أن الطلب المتزايد على البيانات البشرية عالية الجودة تجاوز العرض المتاح، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف تطوير النماذج بشكل كبير، وصعوبة إحراز تقدم نوعي في قدراتها، مما يدفع إلى البحث عن حلول خارج هذا النطاق المحدود، وهنا يظهر الطرح الجذري الجديد للباحثَين، وهو “عصر التجربة”.
عصر التجربة
المرحلة المقترحة تقوم على تمكين وكلاء الذكاء الاصطناعي من التفاعل مباشرة مع العالم الخارجي، وتوليد بياناتهم الخاصة، بدلاً من الاعتماد على المحتوى البشري.
ويقول الباحثان إن هذا النموذج الجديد سيحل أزمة توفر البيانات، وسيساهم في الاقتراب من تحقيق الهدف الأسمى في هذا المجال، وهو الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، الذي يعني قدرة الآلات على التفوق على البشر في معظم المهام المفيدة.
أضاف الباحثان: “في نهاية المطاف، ستتجاوز البيانات التجريبية في الحجم والجودة البيانات التي يُنتجها الإنسان، وهذا التحول مدفوعاً بتطورات خوارزميات التعلم المعزز، سيفتح أبواباً جديدة للقدرات في مجالات متعددة، تتجاوز ما يمكن لأي إنسان تحقيقه”.
ولشرح هذه الفكرة، ضربت الورقة البحثية أمثلة نظرية، مثل مساعد صحي يعمل بالذكاء الاصطناعي قد يُخصص أهدافاً صحية شخصية بناءً على معدل نبض القلب، ومدة النوم، ومستويات النشاط البدني، بينما قد يستخدم مساعد تعليمي نتائج الامتحانات كوسيلة لتعزيز تعلم اللغات، في حين يمكن لوكيل علمي لديه هدف الحد من الاحتباس الحراري أن يستند إلى الملاحظات البيئية المتعلقة بمستويات ثاني أكسيد الكربون، لتحديد كيفية عمله.
وفي جوهره، يمثل “عصر التجربة” عودة إلى فلسفة “عصر المحاكاة” لكنه يتخطى حدوده من خلال نقل تجربة التعلم إلى العالم الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بالمحاكاة الرقمية أو الألعاب الإلكترونية، ويتوقع الباحثان أن يفتح هذا التحول آفاقاً غير محدودة، إذ لن يعود هناك سقف لكمية أو نوعية البيانات التي يمكن للوكلاء جمعها.